ادب ونقد

سمير الفيل يكتب عن … صلاح مصباح

سمير الفيل يكتب عن ... صلاح مصباح

Spread the love

سمير الفيل يكتب عن … صلاح مصباح ..

الصوفي المحب للوطن ، والحياة !
1
كلام كثير يمكن أن يقال عن صلاح مصباح ، فهو شخص محب للحياة ، وهو مواطن مصري يعتز بهويته ، كما أنه يساري لا يعترف بالأصولية الاشتراكية الجامدة ، بل يرى أنها تتطور من عصر إلى آخر ، ككل شيء في الحياة ، المتطورة ، المتحولة عبر الزمن.
وهو قبل ذلك وبعده مواطن مصري بسيط ، عصامي في تكوينه الثقافي ، ولديه حدس أصيل بالانحياز للطبقات الشعبية . وأراه من قلة القليلة التي ذهبت من الأدب إلى السياسة فلم تتعكر مياهه بل ظلت نقية ، صافية ، عذبة حتى وقتنا الذي نعيشه.
2
ولد صلاح مصباح في مدينة بورسعيد سنة 1959 ، ويبدو أنه هاجر إلى مدينة دمياط خلال حروبنا الشرسة مع الكيان الصهيوني ، بالتحديد بعد حرب يونيو 1967 ، لذلك تجد لديه هذا الحس الوطني الذي يشكل فكره منذ طفولته ، وقد تعرف على الأدب من خلال مدرس اللغة العربية في المرحلة الإعدادية ، والمدرس هو الفتي الأزهري الذي جاء من ” شط الملح ” ليدفع قصيدة العامية إلى آفاق أكثر رحابة . وقد تسنى لي الالتقاء مبكرا بالسيد الجنيدي بعد كتابتي قصيدة ” المطبعة ” ، وانضمامي إلى الحركة الأدبية سنة 1969 ، وقد لاحظت اندهاش عبدالرحمن الأبنودي بذلك الصوت الطالع من الريف حين زار دمياط في أجواء حرب الاستنزاف ( 1969 ـ 1970) ، لذلك لم يكن غريبا أن يحدث ذلك التأثير القوي في نفسية الطالب صلاح مصباح الذي تلقى الشعر عنه بعد ذلك بسنوات قليلة من الهجرة ، بالتحديد سنة 1972.
لكن هذا الالتفات لمعاني الكلام لم يكن شيئا طارئا ، أو مصادفة قدرية ، فقط ، فمنذ طفولته تفهم ما للغة من تأثير طاغ ، فقد كان لأبيه صديق من المتصوفة ، كان يعرض أفكاره ، ويلقي أشعار المتصوفة الكبار مثل ابن الفارض ، والسهرودي ، وابن عربي ، وذو النون المصري ، وغيرهم .
قرأ صلاح مصباح لهؤلاء كما وصلته أشعار طائفة أخرى ، منها أشعار : سهل بن عبد الله التستري، والجنيد ، والحسين بن منصور المشهور باسم الحلاج ، والحسن بن بشر ، ويحيى بن معاذ ، وأبي سعيد الخراز، وحمدون القصار النيسابوري، والمحاسبي ، والشريف الرضي ، والنفري صاحب كتابي ” المواقف ” و” المخاطبات “.بالإضافة إلى ما كان يلقى من الشعر الديني ، وهو نوع من الشعر مرتبط بالإنشاد وله محبوه لدى الطبقات الشعبية.
تأثر مصباح بفكر الشيخ محيي الدين بن عربي ، في نظرته للعالم وللوجود ، وكان لأشعار الحلاج التأثير الكبير في اكتشاف نظرة مختلفة عن السائد في الواقع ـ ناهيك عن ذلك الاستعداد الفطري الذي ميز مصباح منذ نعومة أظفاره.
3
تردد صلاح مصباح بعد ذلك على نادي الادب بداية عام 1983 ، وهو العام التالي لغزو إسرائيل لبيروت ، وعودة مجموعة كبيرة من الأدباء إلى رحاب النادي بعد مقاطعة قاربت العشر سنوات ، ومع إصدار عدد تذكاري عن ” غزو بيروت ” ، وملحمة الصمود.
اكتشف الشاب شيئا لم يكن يعرفه ، وهو النقد. وهو ما يعني ببساطة أن أي نص قابل للفحص والدرس والمناقشة. لفت نظره في تلك الفترة أفكار محمد علوش ومحسن يونس ، خاصة فيما يخص أهمية الفن في تغيير الواقع ، فقد كان ل” ندوة الإثنين ” دور هام في التعرف على الكتاب العالميين . ومنذ المؤتمر الأدبي الأول لدمياط سنة 1984 ، وهو يشارك في جميع الفعاليات الأدبية مع شيء من الحذر والتريث.
وقد استفاد مما شاهده وخبره من شئون النقد الأدبي ، فأقام ندوة أسبوعية في ” الورشة ” ، واختار لها يوم الخميس ، وكانت تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل ، وأسس فيها مكتبة. أتذكر زيارتي للورشة مع صديقي محمد علوش ، واحتدام المناقشة حول قضايا ثقافية وفكرية حيث يشارك فيها صلاح مصباح ، وهو لا يتوقف عن العمل في حرفة ” الأويما ” ، وهي مهارة تحتاج إلى قدر عال من التركيز والإحساس بالجمال . كانت ورشته تقع في حارة البركة ، على بعد عدة شوارع من ورشة علي زهران ، الذي كان عاملا مثقفا ، ومناضلا وطنيا كبيرا.
4
أسس صلاح مصباح مع مجموعة من الأدباء الشبان جمعية ” ضفاف ” الأدبية ، نذكر من المؤسسين : حلمي ياسين ، أشرف أمين ، كريمة عبدالخالق ، محمد العزوني ، عبدالعزيز حبة ، محمد شمخ ، وآخرون. وقد أصدرت الجمعية مجلتين ، واستضافت عددا من الكتاب ، أذكر من بينهم سيد حجاب ، وعاطف فتحي .
وساهمت بشكل كبير في تجديد أشكال الكتابة لدى الجيل الأحدث من أدباء دمياط ، كما توصلت إلى نوع من التواصل بين الحركات الأدبية المستقلة في مختلف أنحاء مصر.
5
جند صلاح مصباح في الجيش المصري ، والتحق بسلاح المظلات ، وقد صهرت مهارته التي اكتسبها في العمل مع التدريبات اليومية الشاقة ، مما أهله ليتعلم أشياء غير عادية ، من أهمها العمل داخل فريق ، وأهمية الدقة في العمل ، لأن أي خطأ أو إهمال في التعامل مع مظلة القفز ثمنه الموت.
هذا الإحساس بخطورة الفعل الإنساني ظل يلاحقه في كل حركاته وسكناته في الحياة العادية رغم تركه سلك الجندية.
6
يعترف صلاح مصباح أنه عرف كتاب الرواية عن طريق علاقته بالشاعر الدكتور عيد صالح ، فقد كان يزوره في ورشته صباحا ، فيما يزوره الكاتب في عيادته الخاصة مساء ، مما أحدث حوارا دائما حول قضايا الفن والحياة.
كتب صلاح مصباح تجارب قصصية ، ومقامات شعرية ، نشر بعضها في مجلة ” أدب ونقد ” ، كما كان الأصدقاء يجرون حوارا حول النصوص التي يكتبها ، وهي تقع في مسافة وسطى بين السرد وبين الشعر.
أتذكر أنه قد كتب نصا متماسكا يتسم بالنزعة التاريخية مع أسلوب قصصي في مجلة ” أمكنة ” التي كان يحررها الكاتب السكندري علاء خالد.
كما أنه التفت إلى الجانب السياسي الذي كان يستملحه فكتب عشرات المقالات السياسية في جريدة ” الأهالي ” ، عبر من خلالها عن كثير من القضايا التي نعيشها حاليا .
لقد حذرت مقالاته ذات الصبغة التوثيقية ، التحليلية ، للمصير الخطير الذي ينتظر صناعة وصناع الأثاث بدمياط ، واقترح حلولا عملية للأزمة قبل أن تتفاقم ، ويصبح الحل بتكلفة أعلى ، على حساب صغار الحرفيين.
اشترك صلاح مصباح في العمل السياسي بحزب ” التجمع ” ، وأقام ندوة أدبية استمرت لوقت غير قصير .
يذكر أنه قد اصبح أمين عام حزب التجمع بمحافظة دمياط سنة 2005 ، وقام بأعمال كثيرة وملحة ، لعل من أبرزها المشاركة بفاعلية في ” لجنة دعم الانتفاضة الفلسطينية ” ثم أصبحت ” لجنة دعم الشعب الفلسطيني ” ، وقام مع زملاء له بدعوة جميع المهتمين بالعمل العام للمشاركة فيها ، وأقاموا العديد من المؤتمرات والندوات والوقفات الاحتجاجية للتنبيه بحق الناس في التعبير عن أفكارهم.
نظم مع زملاء له الكثير من المظاهرات والوقفات الاحتجاجية منذ سنة 2000 للدفاع عن العمال وصغار المنتجين والصيادين و المهمشين ، وأصدر عشرات البيانات السياسيه التي قام بتوزيعها على المقاهي وفي الشوارع . وهو ما يذكرنا بالدور الهام الذي لعبته قيادات حزب التجمع الاولى ومنهم : علي زهران ، وجمعة سلطان ، وأنيس البياع ، وغيرهم.
لقد التفت صلاح مصباح للعمل التطوعي ، فالتحق بجمعية الهلال الاحمر ، وأصبح عضو مجلس إدارة لثلاث دورات متتالية. وأصبح عضو بمجلس الشورى سنة 2010 ، وكان لملف صناعة الأثاث الاهتمام الكبير.
وقد أسس مع سمير الفيل ، وفكري داود ، وعيد صالح ، وحلمي ياسين ، ومحمد عبدالمنعم ، وعابد المصري ، وأشرف أمين ، والسيد شليل ورافت سرحان ، وغيرهم ، جماعة ” في حب نجيب محفوظ ” التي احتضن الجانب الاكبر من نشاطها في مقهى ” كافي زون ” بدمياط الجديدة . وهي التجربة التي حاول عدد من المثقفين في المنوفية وأسوان والإسكندرية الاقتداء بها.
مثل دمياط في مؤتمر أدباء مصر بأسيوط ، ديسمبر 2014 كما قدم شهادة أدبية حول تجربته في مؤتمر إقليم شرق الدلتا بالمنصورة ، والذي رفع عنوان ” الأدب وقضايا الوطن .. مشكلات معاصرة ” ، أبريل 2017.
7
والآن ، تعالوا نتعرف على بعض كتاباته ، وأغلبها يدور حول قضايا معاصرة تهم الفكر وتهتم بالإنسان كوجود وكيان ، وقد وضعها تحت مسمى ” المواقف ” ، وهو ما يعني أنها تحمل لمسة من لمسات المتصوفة .
يقول في ” مقام الحقيقة ” :
( احيا على مرآى من نداءاتك / وانصت لرائحتك / لحظة تدخلين مسام حزني او تخرجين /
الغابرون يذهلهم عري باطن قدميك / حين لامَست خطواتكِ الرمال / لا أعرف .. جنة أم جحيم / انما اشتعالي بكِ ..نعيم مقيم / وإنكِ لو التفت ِ/ لنبت في النار الياسمين ) .
محاولة للإمساك بالحقيقة المراوغة ، من خلال لغة تتسم بالشفافية ، موظفا مفردات صوفية ، يعبر من خلالها عن ملامسة الأشياء البعيدة / القريبة في تحولاتها. لغة تصنع إيقاعها من دوران المعنى ، وعدم تحدده ، وانفلاته في مدرات علوية ، حيث الأنا تنهض لكشف الآخر ، وخطوات الحبيبة تلامس الرمال ، فيما ينهض التساؤل : أجنة أم جحيم ؟ وهو سؤال ملتبس لا يقدر على الإجابة عنه سوى صوفي من العارفين . إنه نعيم مقيم ، ينحدر عبر إشارات يبثها صلاح مصباح ، لتحدث الدهشة أثر إنبات النار في الياسمين.
وفي ” مقام طريقة ” نقرأ عبارات مموسقة تفيض بدلالات مدهشة :
( أين قطب الوقت ؟ /المستحيل .. يضمني لفراغ جميل / والنجم ..دليل المسافرين ينتظرني /
على مثقال رمية حجر / وأنا انحر الرقبة بحد نصلي / علها تؤمن بالجماد الصلب /أو بلمعان الخطفة الأولى / أو بجغرافيا الرمال / فيا دليل المسافرين / خذني مني / إعطني براق الصعود / مفتاح التحقق من الوجود / ولوناً واحداً إن شئت / أو جُـد بما يليق بك / من سماء ).
تقتضي معرفة الأسرار ، عقد نوع من الاتصال بين الوقت والفراغ ، من ناحية ، وبين الرؤى والواقع من ناحية أخرى ، مع استحضار حثيث لقصة ذبح ابراهيم لولده اسماعيل ، وهبوط الملاك بفداء عظيم. لا يؤمن المتصوفون بالجماد الصلب ، ولا بجغرافية الرمال ، فلديهم شعور بالصعود عبر براق ، متجدد للوصول إلى سموات عصية على التحديد .
في نص آخر يحمل عنوان ” مقام شريعة ” ، نقرأ ما يلي :
( أُعاني من قلبي المسافر / فعلقيني قلادة على صدرك / ربما يسمع قلبك همس روحي /
أو آرى الكلام قبل أن يُـقال / الحروف لحظة تخلقها / السماء وهي ترتفع للفضاء / النجوم وهي تنتظر الضياء / رائحتك عندما تفكرين في أسماء الشجر / علقيني قلادة ربما يجرفني ماء من الماء / أو تزلزلني خطواتك المقيمة في شراييني / ربما أتحرر من حدودي / و من سفر الدماء ) .
تلك معاناة من يوغل في التأمل ، فهو يعاني من مشاعر يموج بها قلبه المعتق بعشق أبدي ، حين يكون الكلام في لحظة تخلقه ، ينفتح الوعي على أسئلة حرجة ومتناقضة ، فالنجوم تومض في الفضاء ورائحة الحبيب تحضر مع ذلك القلق الذي يتزايد كلما أوغلنا في الكشف ، يطلب منها أن تعلقه قلادة ، وهي التي تسكن شرايينه . تجربة صوفية معتقة حيث تشتبك الغواية مع ترديدات العجز في حياة لا تخلو من المتاعب.
في ” مقام العشق ” نتقدم خطوة في طريق تشكيل اسطورة خاصة بالعشق المستحيل ، فالواقع المادي يمكن تحويله إلى عالم روحاني ، يموج المشاعر الرقيقة الصافية ، وهو أمر يجعلنا نحرر ذواتنا من الأفكار القديمة ، حيث تتولد مجموعة من العلاقات المتداخلة ، ويحضر الجسد في تكوين جديد طالما مسموح بعقد أواصر صلة بين الواقع والميتافيزيقا . تلمس روحه الغامضة فتضيئ قلبه بمزيد من العشق ، عندها يصبح أنا أنت ، وهنا يكتشف سر مباغت للذات ، حين يصعد منها الكلام ويسكن الروح المعذبة بالفقد :
( طوقتني موسيقى نهديها / وأرسلتني / أطلقت حولي ذراعيها / حررتني / لمست غامض روحي / فأضائتني / نظرت في عيني وقالت / حبيبي من أنت !؟ / قـُلت أنا انتِ ).
سيكون اختيارنا الأخير لنص مختلف ، هو ” مقام البداية “، وفيه يعود صلاح مصباح إلى نقطة الميلاد ، البحر الذي يعني البدايات ، بيد أن كاتبنا الذي هجر الشاطيء مازال يمتلك خصائص الحديث مع البحر الساحر ، الغامض ، الملتبس ، والتماهي مع الأفق بزرقته القانية. وهو ما يدفعه إلى تأسيس علاقة ما بين الذاتي والموضوعي ، وينهض البحر للإجابة عن الأسئلة التي تورط صلاح مصباح في التداخل معها ، روحا وجسدا.
إن نهاية النص تشير إلى حقيقة معرفية وهي أن كل البحر ماء ، يوقع الكاتب رسالته الأخيرة ليؤكد بكل وضوح أن ليس كل الماء بحر . امتلاك الماهية قادت الكاتب كي يطرح قناعاته بوشيجة فلسفية ، وطرح عقلاني ، مع مشاعر حب متأرجح بين الحضور والغياب . حتما تتحد الأنا بالمعنى ويحضر الغائب حتى ولو لم يلامس الأرض المترجرجة التي تحولت إلى ” دمياط ” او ” تامحيت” حيث مدينة الماء أو مدينة الشمال :
( كنا نخطط والبحر يمارس هواية التموج / هنا البداية / يقول البحر .. أعرف كنت ماء /
لكني الآن بحر / إعلموا أن كل البحر ماء / وليس كل الماء بحر ).
8
في العام 2001 ، أحمل أدواتي الصحفية ، وأجري حوارات متنوعة مع كتاب وفنانين ، وناشطين ثقافيين ، شباب ، ويصدر كتاب ” تقاطعات ثقافية ” وفيه أجري حوارا مع صلاح مصباح ، يكون عنوانه غريبا بعض الشيء : ” هناك وجوه كثيرة للحقيقة ، ويوجد جزء حيوي في النصوص يتصل بالواقع “. كان الحوار يتضمن رؤى الكاتب الفنية والفكرية ، التي نختار منها بعض العبارات الدالة. فهو حين يتحدث عن منطلقه مع التصوف ، يؤكد ما يلي:
” دخلت من بوابة الفلسفة ، ففي بداية التكوين الثقافي الأول ، تعرفت بالمصادفة على الشيخ محيي الدين ابن عربي ، الذي كان لدي عدة كتب لهذا الفيلسوف ، فكان ابن عربي هو بداية حقيقية للولوج إلى عالم الثقافة ، ولأعرف من خلاله أن الدين يحتاج إلى رؤية لفهم الدنيا ” .
ويعالج مفهوم وماهية القصة القصيرة في نفس الحوار:
” القصة القصيرة جنس أدبي هام جدا للإنسان المعاصر ، فإذا كانت الرواية تحتاج إلى مجهود مثلما نرى في ” ألف ليلة وليلة ” ، فإن القصة القصيرة أضحت ضرورة في المجتمع المعاصر ، السريع ، المتشابك في مشاكله . فالقصة حيلة فنية كي يقدم الإنسان جزءا بسيطا من رؤية محددة يكشف بها أزمة واقعه أو جماله أو مشاكله “.
ويتناول تأثير يوسف إدريس على جيله بتحليل الموقف التاريخي الذي واكب صعوده:
” حقق جيل الستينيات على مستوى التقنيات أعمالا لم يتم تجاوزها للآن . وإن كان أدباء السبعينيات أنفسهم قد حاولوا أن يقدموا تنويعات على اللحن الأساسي إلا أنهم كانوا امتدادا للجيل السابق ، ومنهم يوسف إدريس رغم ريادته .
إن يوسف إدريس لم يتجاوز لأنه لم يتحقق في الواقع طموحه من محاولات مضنية لرفع الغبن عن الإنسان المصري . خاصة أن مصر صاحبة حضارة ، ولها تاريخ قديم جدا ، ولكن إنسانه لم يحصل على حقه كعنصر فاعل “.
في إجابته عن جيل التسعينيات من الكتاب ، وتمحور كتابتهم حول قضايا شديدة الذاتية ، اقترب من مفهوم الحرية ، وفي هذا الصدد قال:
” من الممكن أن يكون لديه رؤية ، ولكن المشكلة عنده ليست في هزيمة سنة 1967 ، بل تتجلى في أزمة الحرية والتعبير ، لذلك لاذ بمثل هذه الكتابات ليعبر عن حرية فردية .
لكن تكبيل الواقع بوليسيا وسياسيا يجعله واقع في وهم الحرية ، رغم أنه لم يحقق شيئا من هذا الحلم البعيد ، فحرية الجسد هي حرية زائفة ومحدودة “.
ولما سألته عن كاتب طليعي هو يوسف القط ، وطريقه في مسار التجريب ، كانت إجابته ساطعة وواضحة:
” طبعا رأيت يوسف القط في حياته ، وقرأت له ، وعندي مجموعته القصصية ، لقد كان صوتا متميزا. ربما كانت لديه مشاكل خاصة به كإنسان. لكنه كان سابقا لمعاصريه ، وعبر بصدق عن هموم الواقع المحيط به . كان يريد أن يختلف عن السائد ، وربما كان ما يميزه حقا هو إدراكه لمشاكل الواقع المادية ، فلو كان قد عبر عن ذلك من خلال الرمز ، فمن أجل تحقيق طفرة نوعية في المتلقي “.
تحدث صلاح مصباح عن الرقابة التي تحاصر الكاتب وتجعله يتردد في عرض أفكاره ، وكان مما قاله : ” ثمة رقابة خارجية عنيفة ، وكتابنا العرب أضيروا كثيرا من السلطة ، فأصبح عندهم رقابة داخلية متزايدة ، ومن يريد كسر هذه السلطة ، ويعلن رأيه عبر رواية أو قصة أو قصيدة ، يتم عقابه بشكل أو بآخر .
في المقابل أنت مكبل بتراث لغوي محدد ، لا تستطيع أن تكسره لأن السلطة اللغوية أيضا ، لا يمكن أن تعطيك هذه الفرصة “.
9
هذا كاتب آمن بالحرية ، وكتب موجها قلمه في وجه القوى الظلامية ، وعاش مع البسطاء يقاسمهم آلامهم وآمالهم ، وأحلامهم وصبواتهم . يقول في شهادته عن تجربته ” لم أحب المدرسة لكنني أحببت الشعر ” ويضيف أيضا : ” بحثت عن إجابات لأسئلة كانت جدتي تؤجل إجابتها بحجة أنني سأعرف عندما أكبر. دلني بائع الكتب على الحل العبقري لقلة النقود ، وهو إمكانية تبديل الكتب بعد قراءتها ” .
تحية للقاص والمناضل الوطني القدير .. المعلق قلبه بهوى وطنه .. الإنسان .. صلاح مصباح.
دمياط
7 يونيو 2017.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى