ادب ونقدفن

الطفطف. للكاتب الروائي والشاعر سمير الفيل

الطفطف. للكاتب الروائي والشاعر سمير الفيل

Spread the love

الطفطف. للكاتب الروائي والشاعر سمير الفيل

 

في كل مرة تقف فيها السيدة بيضاء البشرة في شرفة عشَّتِها المطلة على الشارع العمومي ترتكز بمرفقيها المكشوفين على الحافة الملساء المائلة. تسمع نفير الطفطف يأتي من بعيد. زغرودة تنطلق في الفضاء مبتهجة بالحياة، وهيكل العربة الصيفية مفتوحة الشبابيك يتأرجح.

تقف السيدة وفي يدها وردة. تبتسم للعم “رنجو” الذي يحييها بنفير متصاعد فيما يرفع لها قبعة سوداء كأنه “دون جوان” حقيقي من بلاد الإنجليز. التجاعيد تغزو وجهه، وتتكاثر تحت الجفنين. ابتسامة سكَّر مذاب في نسغ الأيام، وهو يلوِّح للأطفال هنا وهناك. يقود بيد واحدة فينخلع قلبها هلعًا. يرفع يديه من فوق المِقْود الدائري، يضحك لخوفها الطاغي، والعربة تندفع في طريقها المألوف.

نسيم الشمال اللطيف يدخل رئتيها، وهي تعبُّ منه، وتنتشي بإطلالة على الأزرق.

عروس، وبطنها تكورت، وسُرَّتها تمددت تنتظر أن تضع مولودها في أي وقت.

آه، لو أن الصيف يكون موعد وضعها إذن لحملت طفلها عندما يكبر، وجلست مع الصبيان والبنات على المقاعد المصنوعة من خشب الزان لمشاغبة “رنجو” الذي يضع سيجارته في طرف فمه، ويبتلع الدخان ثم يخرجه حلقات من أنفه، ويخدعهم بأنه يخرج من أذنيه كالحاوي.

في ليلة متأخرة من أغسطس جاء مخاضها صعبًا. حاولوا إنقاذها بكل السبل. الطبيب الذي استدعوه على عجل نقلها لمستشفى مجهز للحالات الحرجة.

فاضت روحها، وكانت ثياب عرسها مازالت جديدة لم تمس إلا بمقدار.

تمكن الأطباء من إنقاذ الجنين. واء.. واء.. وهو يرفس الهواء فلم تقابله إلا نظرات مسهدة حزينة.

عامان مرَّا، وفي نفس الشرفة يقف طفل صغير ينتظر الطفطف. يقبل عم “رنجو” فيطلق نفيره من أول المنعطف. يخلع قبعته السوداء ويلوِّح له.

كثرت التجاعيد تحت عينيه، وتصاعدت حلقات الدخان منعقدة فوق رؤوس الجالسين على أعواد الزان. يرفع يديه تمامًا من فوق المِقْود، والعربة تمضي في طريقها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى