ادب ونقدفن

شبورة

شبورة

Spread the love

شبورة

بقلم : سمير الفيل.

الشَّبُّورَة : الضَّباب في الصَّباح . وهو مدرس اللغة العربية الجهبز ، يركب قطار الضواحي متوجها إلى شقيقه المسجون في سجن الحضرة.

ترك خلفه زوجة وابن صغير في اللفة . في أول كل شهر ، وبعد قبض المرتب والحوافز يسارع بشراء بعض الأطعمة الجافة من كعك وبسكويت وخبز فينو ، وعدد من بواكي السجائر ، وأدوية توسيع الشرايين حتى لا تفاجئه النوبة.

أمس ، بالتحديد في الخامسة مساء ذهب إلى شقة نعمات ، طرق الباب ، فتحت له وكانت بقميص حمالات لأن الدنيا حر ، وهي وحيدة . انتزعت الفوطة وضعتها لتخفي ناهدين نافرين. غير أن قلبه كان قد ارتجف رجفته الأولى ، وظل في حالة انخطاف.

سألته عن موعد السفر ، فأخبرها أنه سيكون في القطار منذ الفجر. قامت لتعد له كوب عصير الليمون، وفيما هي تضع الصينية على الطاولة الواطئة بأرجل قصيرة رأى ما رأى ، فارتجف ارتجافته الثانية .

ولأنه شاب مستقيم ، تعلم في الأزهر الشريف ، فقد كان عليه أن يغض بصره غضا ، خاصة أنها أم عفيفة ، وزوجة لشقيقه لكن الذي حدث أن الدم فار في يافوخه فجلس مستكينا .

أحست بما حدث ، فقامت من مقعدها بهدوء كي تخلي له المكان ليأخذ ويعطي مع نفسه. بكى الولد في الحجرة الداخلية ، فحملته بيديها ، قربته من صدرها وأخرجت من طوق القميص أحد نهديها ، وراحت ترضعه وتهننه . أخبرته في جملة سريعة أنها ستنتهي من إرضاع حسن ثم ستأتي لتجلس معه .

كان يريد أن يرى الطفل الصغير ، فدائما ما يكون نائما في الزيارات القليلة التي زارها لها من قبل ، لكنها في كل مرة كانت محتشمة ، والكلام بينهما قليل لا يتعدى السلام ورده .

تمد يدها بالنقود التي تأتي من كبار تجار المخدرات، بعد أن تقتطع جزءا من المبلغ لمصاريف البيت . والنقود تصل إليها من خلال الولد ” ياقوت” الذي هو عين للحكومة ، وفي نفس الوقت عين أخرى للتجار ، والله حليم ستار .

وجد قدماه تقوده إلى حجرة النوم ، كانت ما زالت ترضعه ، أحست به دون أن يتكلم ، صوبت نحوه نظرة متسائلة ، أقرب للاستغاثة المكتومة . انحنى كي يحمله ، وفي غمرة اضطرابها نست أن تدخل نهدها في الطوق الباتستا فظل بارزا. قال لها بصوت ضعيف فيه ذبذبات الرغبة : سبحان الخالق الناطق. شبهه تمام.

هزت رأسها ، وبكل شهامة مد يده ليبعد ذلك المستدير الذي كان ناصعا كالفجر ، فقفز النهد إلى مكانه . أغمض عينيه للحظة قبل أن يندفع إلى الخارج . قالت له بارتباك ملحوظ : اعمل لك شاي؟!

كان في تلك الدقيقة والتي أعقبتها قد أخرج ورقة صغيرة كتب فيها ثمن الأشياء التي اشتراها ، رد بلا تفكير: اعملي.

تركت الطفل على سريره ، دخلت المطبخ، وأشعلت عين النار . كان قد انتهى من حساباته، وجد أن يديه ترتجفان، وقف ليشاهد بوادر الشبورة من خلف النافذة.

خرجت بالصينية وقد ارتدت الروب الخفيف الذي سترها بنسبة 70% . كان هناك كوبان ساخنان من الشاي . تنفست الصعداء عندما لم تجده في الصالة ، أسرعت بإغلاق الباب تماما ، حرصت على ألا يحدث صوتا . بكي الطفل من جديد فحملته وأطلت من الشباك فسرت نسمة خففت بعض الشيء من جو القيظ ، أما الشبورة فلم تكن قد ذهبت بعد .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى